سميح عاطف الزين

158

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

حليمة أقوى ، فعانت وعائلتها من الجوع ، حتى كانوا أحيانا لا يجدون ما يبلّون فيه الريق ، أو يسدّون به الرمق . وراحت أم أيمن تفتش عن مرضعة تحنو على طفل سيدتها آمنة بعطفها وحنانها قبل حليب صدرها ، فكانت المراضع تعزف عنها عندما تعرف بأن الطفل يتيم ، لأن اليتيم - في نظرهنّ - معناه الفقر ، وعدم وجود المال والهدايا التي جئن من أجلها . فلم تشأ واحدة منهنّ أن تكبّد نفسها عناء الحديث ، أو أن تقحم نفسها في مجرد جدل بسيط مع أم أيمن حتى تعرف من هو الطفل الرضيع الذي تعرض عنه لمجرد يتمه ، ومن هم أهلوه ، وحتى تعرف أن جدّه عبد المطلب هو شيخ قريش ، يقري الضيف ، ويمنع الحيف . . ولو فعلن ذلك لما انصرفن عنها عند سماع كلمة يتيم . أما حليمة بنت أبي ذؤيب فقد حاولت عبثا أن تجد رضيعا تأخذه ، فلم توفّق لأن ضعف عودها ، وهزال جسمها ، وسوء الحالة التي تظهر عليها ، صرفت الأنظار عنها ، فأحسّت باللوعة والأسى . . ولكنها لم تكن تدري بأن علّام الغيوب هو الذي صرف الناس عنها لمظهرها ، لأنه - سبحانه - قد أعدّها لتكون مرضعا لأكرم خلق اللّه كلهم . . فبينما هي تقبع مع زوجها ، في إحدى الزوايا ، يندبان حظهما ، ويتحسران على حالهما ، والمرارة تأكلهما ، إذا بامرأة تتقدم منهما ، وتعرض عليهما أن تكون حليمة مرضعة لطفل هو من سادة القوم أما وأبا ، وإن كان أبوه قد توفي ، إلّا أن جده هو سيد مكة والقوم طرّا . . ولم تكن حليمة لتحتاج إلى كل هذا التعريف ، والشرح عن الطفل ، فقد أحسّت عندما ذكرت أم أيمن اسمه محمدا أن نفسها تنازعها إليه قبل أن تراه ، فراحت تحث أم أيمن على مسارعة الخطى لتصل إلى البيت الشريف ، والطفل الحبيب . .